الشيخ محمد النهاوندي

345

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ أنّه تعالى بعد بيان اعتراضات اليهود على النبوّة وردّها ، أخبر بأنّهم سيعترضون على دين الإسلام بوقوع النّسخ فيه بتغيير القبلة من جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة المعظّمة ، بقوله : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ والخفاف العقول مِنَ النَّاسِ الراغبين عن ملّة إبراهيم عليه السّلام كاليهود . في اعتراض اليهود على دين الإسلام بوقوع النسخ فيه ، وعلى النبي صلّى اللّه عليه وآله بتغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة قيل : إنّهم ابتدءوا بالاعتراض لأنّهم كانوا يأنسون بموافقة الرّسول صلّى اللّه عليه وآله معهم في القبلة ، وكانوا يظنّون أنّ هذه الموافقة ربّما تدعوه إلى موافقتهم بالكلّيّة ، ولمّا تحوّل عنها اغتمّوا واعترضوا عليه . ثمّ وافقهم المشركون من العرب لأنّهم كانوا متأذّين من توجّهه إلى بيت المقدّس ، وقالوا : رغب عن ملّة آبائه ، ثمّ رجع إليها . ثمّ تبعهم المنافقون لحرصهم على الاستهزاء بالدّين ، فعابوا جميعهم على الرّسول والمؤمنين بقولهم : ما وَلَّاهُمْ وأيّ صارف صرفهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا مواظبين عَلَيْها متوجّهين في صلاتهم إليها ، وهي بيت المقدس . عن ( الاحتجاج ) و ( تفسير الإمام عليه السّلام ) : أنّه قال : « لمّا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بمكّة أمره اللّه عزّ وجلّ أن يتوّجه نحو بيت المقدس في صلاته ، ويجعل الكعبة بينه وبينها إذا أمكن ، وإذا لم يمكن استقبل بيت المقدس كيف كان . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يفعل ذلك طول مقامه بها ثلاث عشرة سنة ، فلمّا كان بالمدينة وكان متعبّدا باستقبال بيت المقدس استقبله وانحرف عن الكعبة سبعة عشر شهرا . وجعل قوم من مردة اليهود يقولون : واللّه لا يدري كيف يصلّي حتّى صار يتوجّه إلى قبلتنا ، ويأخذ في صلاته بهدينا ونسكنا » « 1 » . وروي من طرق العامّة : أن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله صلّى إلى نحو بيت المقدس بعد مقدمه المدينة نحوا من سبعة عشر شهرا ، تأليفا لقلوب اليهود ثمّ صارت الكعبة قبلة المسلمين إلى نفخ الصّور « 2 » . وحاصل اعتراض اليهود : أنّ البدء محال على اللّه بالاتّفاق لأنّه مستلزم لجهله بالمصالح ، وأمّا النسخ فإن كان واقعيا حقيقيا فهو عين البداء ، وإن كان صوريا ظاهريّا ، بمعنى أنّ الحكم الواقعيّ وصلاحه كان في الواقع مقيّدا بوقت محدود ، فعدم إظهار الحدّ وإطلاق الحكم في ظاهر اللّفظ بحيث يفهم العرف أبديّته ، مستلزم للتّجهيل ، وهذا قبيح ومحال على اللّه ، فردّهم اللّه بقوله : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ

--> ( 1 ) . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السّلام : 492 / 312 ، الاحتجاج : 40 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 1 : 247 .